السجون السرية حين يُعتقل القانون ويُغيَّب الإنسان

د. أمين عبدالخالق العليمي:
حين تظهر السجون السرية خارج إطار الدولة، فإن أول من يُسجن ليس الإنسان، بل القانون نفسه،
تُغلق الأبواب على أجسادٍ مقيدة، لكن الأبواب الأثقل تُغلق على العدالة، وعلى فكرة الدولة، وعلى معنى الكرامة الإنسانية، لا يعود السؤال: من المتهم؟ بل يصبح: أين اختفى الحق؟ ومن خوّل الألم أن يحكم؟
جاءت الشريعة الإسلامية لتحفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها النفس والكرامة، ولم يجز الإسلام حبساً بلا بيّنة، ولا عقوبة بلا قضاء، ولا تعذيباً ولو بحق مذنب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، فكيف بمن يُخفى قسراً، ويُعذَّب سراً، بلا تهمةٍ مُعلنة ولا قاضٍ ولا محاكمة؟ إن التعذيب جريمة محرّمة، والاعتقال التعسفي ظلم، والسكوت عنه مشاركةٌ فيه، لأن الله لا يقيم العدل بسياط الظالمين،
لا تقوم دولةٌ بلا احتكارٍ مشروعٍ للقوة، ولا شرعية لقوةٍ خارج القانون، السجون السرية انتهاكٌ صريح للدستور، وتقويضٌ لسيادة القضاء، وجريمةٌ مكتملة الأركان في القانون الوطني والدولي، فالإخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، والتعذيب جريمة لا تبررها ظروف ولا طوارئ، وكل جهةٍ تنشئ سجناً خارج مؤسسات الدولة إنما تُعلن تمردها على الدولة، حتى لو ادّعت حمايتها،
عرفُنا القبلي والاجتماعي، مهما قسا، لم يعرف يوماً تعذيب الأسير في الظلام، ولا إنكار مصيره على أهله، كان العيبُ قبل الحرام، والعارُ قبل العقوبة، أما اليوم، فالسجون السرية لا تُهين الفرد وحده، بل تُهين المجتمع كله، وتزرع الخوف بدل الثقة، والانتقام بدل السلم، وتحوّل الألم إلى ثأرٍ مؤجل،
اي إنسان، مهما كان انتماؤه أو فكره، لا يستحق أن يُسلب اسمه، ويُمحى أثره، ويُختصر وجوده في رقمٍ خلف بابٍ بلا نافذة، الأمهات لا يحتجن إلى بيانات سياسية، بل إلى معرفة: هل أبناؤنا أحياء؟
والأطفال لا يفهمون مقتضيات المرحلة، بل يشعرون بفراغ الأب، وبصمت الخوف في البيت،
إن التعذيب لا يحمي وطناً، بل يصنع أعداءه بصبرٍ بارد،
سياسياً ودبلوماسياً الدولة التي تتسامح مع السجون السرية تفقد حجتها الأخلاقية قبل أن تفقد دعم العالم، لا يمكن المطالبة بالشرعية، فيما تُنتهك أبسط قواعدها في الأقبية، ولا يمكن بناء سلامٍ دائم فوق أجسادٍ معذبة وملفاتٍ مغلقة،
الطريق الوحيد للاستقرار هو دولة القانون، لا دولة الظل،
الموقف الواجب الوقوف ضد السجون السرية ليس معارضةً للدولة، بل دفاعٌ عنها،
ليس حمايةً للمجرمين، بل حمايةٌ للعدالة،
ليس ترفاً حقوقياً، بل شرطٌ لبقاء المجتمع متماسكاً،
المطلوب واضح وبسيط وشجاع: إغلاق كل سجن خارج إطار الدولة، إخضاع كل احتجاز لسلطة القضاء، تجريم التعذيب قولاً وفعلاً، كشف مصير المخفيين قسراً، ومحاسبة كل من أمر او نفّذ او سكت، إن الأمم لا تُقاس بقوة سجونها، بل بعدالة محاكمها، ولا تُبنى الأوطان بالصمت على الألم، بل بالجرأة على قول: هذا ظلم… ويجب أن يتوقف،ومن يقف مع الإنسان، يقف بما يرضي الله، ثم التاريخ، والمستقبل .





